"اذبحوا العجل المثمّن لنأكل ونفرح، لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش وضالاً فوجد"

كلّ سنة يعود إلينا مَثَلُ الابن الضال كمِسحةٍ من نور تبدّد كلّ عتمة يأس، وتنهض بالنفوس المتعبة من أثقال الكورة البعيدة. إنّه النصّ الإنجيليّ الأفضل لكي نفهم أبعاد العلاقة مع الله واللقاء به بعد نسيان طويل، وذلك في وقتٍ يتعرّض فيه سرّ التوبة لبعض التراجع أو الغموض أو التشويه.

 

تبدو الحياة المسيحيّة لدى البعض مثل “ديِن” يحمِّل الناس “دَيْناً” من الوصايا لكي نتّقي الغضب الإلهيّ. ولما كان هذا مستحيلاً بالكليّة، أضافت الأديان “عقوبات” و”تكفيرات” لمصالحة الله واستدرار غفرانه.

لغة الكتاب المقدّس مختلفة تماماً عن هذه الحلقة الغامضة من “الخطيئة البشريّة ثم الفداء الإلهيّ ثم أعمال الغفران”! لغة الكتاب المقدّس، والكلمة الوحيدة التي تلخص فحواه، هي تلك التي بدأ بها يسوع كرازته “التوبة”! والتوبة في الكتاب مرتبطة مباشرة بالفرح كما سمعنا في نهاية هذا المثل اليوم. هناك خمسة معانٍ تخرج من مطالعتنا وسماعنا لمثل الابن الضال وتستحق منّا التأمّل العميق وهي:

 1- التمييز ما بين الخاطئ والخطيئة

من الواضح أن السيّد يشدّد في تركيب هذا المثل على القيمة الغالية لكلّ إنسان بغضّ النظر عن وضعه كان في برٍّ أم في خطيئة. فالإنسان هو “ابنٌ” في أوضاع متبدّلة، ومهما كان وضعه، في بيت أبوي أم في كورة بعيدة، فهو لا يفتأ يبقى “الابن” وله المحبّة ذاتها. الله محبّة. الله أبٌ يحبّ أولاده- يحبّنا. لكن لمحبّته هذه عنده وجهان، وجه الفرح -حين نعود- ووجه الصليب حين نرحل. نعم الخطيئة غير الخاطئ. الخطيئة هي خطأ الابن وليست قيمتَه الحقيقيّة. قيمة الابن هي في محبّة الآب التي لا تتبدّل، أما الخطيئة فهي ضعفٌ فيه يمكن أن يتبدّل. البرّ والخطيئة احتمالان للإنسان ذاته. لذلك عندما يخطئ الإنسان لا يصير في لائحة الملعونين وإنّما من المطلوبين لدى الآب! لهذا يوصينا بولس أن يصلح الأقوياء وهن الضعفاء بالمحبّة وروحيّاً. لأنّه كما أن هناك خطيئة هناك توبة. والخاطئ هو ابن غير تائب بعد، والبار ما هو إلاّ الابن الذي تاب إلى الله.

 2-انتظار الآب

يصوّر يسوع لنا في المثل الأبَ في وضع تشوّقٍ وانتظار لابنه الذي رحل. يحقّ لهذا الأب أن يرجو عودة ابنه، ولربّما بثقة، لأنّه يعرف أنّ الابن لن يجد في أيّة كورة دفءَ البيتِ الأبويّ. ترسم بعض الأيقونات هذا المثل وتصوّر الأب مترقّباً من على السطح عودة ابنه من بعيد. نعم الله في انتظار، فليت انتظاره لكلّ منّا لا يطول! هذا هو صليب الربّ: انتظارُه! لا يطلب الله تكفيرات ولا يتملّكه غضب الكرامة المنتقمة حين نخطئ، إنّما يصلبه الرجاء بأنّ نعود. هذا هو قدر “الحبّ” في عالم تلوّن بالضعف كما بالنعمة.

3- عدم محاسبة التائب

العجيب، أنّه عندما عاد الابن بادر الأب إلى إعطائه الحقوق والنعم المفقودة بدل أن يسأله أين بدّد المال، أو لماذا أهان الحبّ الأبويّ ورحل. هذا طبيعي لمن ينتظر. ألم تكن هذه هي أسئلة الابن الأكبر، وهذا ما أدهشه في أبيه؟ أليست هذه المحاسبة الغريبة هي التي ستجعل الابن العائد لا يعود يفكر بالرحيل ثانية ويبقى مديناً بالحبّ والتوبة مدى الحياة؟ نعم، لا يحاسب الله على الماضي، لأنّه الأب الحنون وليس الأب المهان أو المجروح.

كلّنا نتمّنى المصالحة مع بعضنا البعض، ولكن غالباً ما نسلك طرقاً مخالفة لطريقة هذا الأب الحنون. لأنّنا نطالب ولا نسامح عند اللقاء! نعاتب ونحاسب ونشترط إعادة الحقوق قبل الغفران. لكن بالنسبة لله المسألة هي “لقاء” وليست تصفية حسابات! “يا بني أعطني قلبك”! وهذا هو حقّ الله الأثمن من كلّ خاطئ يعود! 

 4- الفرح الأكبر

لا بدّ أنّ هذا الأب كان فرحاً في بيته مع ابنه الأكبر الذي لم يغادر. ولكن الغريب هو ما يشدّد عليه هذا المثل، وعدّة أمثلة حوله في الكتاب، أن تشير إلى “فرح أكبر” بعودة الابن الذي ضلّ، وبإيجاد الدرهم الضائع، والعثور على الخروف الذي تاه في الجبال. فهناك فرح خاص بهؤلاء! ويريد يسوع في هذه الأمثلة أن يؤكّد علينا “أن نفرح أكثر” بعودة الضال! هذا الأمر ليس صورة شعريّة! إنّها حقيقة أنثروبولوجيّة يؤكّد الكتاب عليها! نعم لا ينتظر الله منا البرّ دون خبرة الضعف! القدّيس ليس من وُلد ومات دون خطيئة! فهذا مفهوم عكس حقيقة السرّ ذاته.

القدّيس هو من أخطأ حيناً لكنّه تاب أبداً. والإنسان ينمو في القداسة فيتبدّل وجه حياته ويغلب عليه لون النعمة بدل لون الخطيئة. يتحمّل الله في الكتاب الخطيئةَ كحدث، ولكن يرفضها كحياة. الخطيئة تُصلح بالتوبة وتقابل بالغفران المجاني! والمهمّ هو أن تكون وجهتنا دائماً نحو البيت الأبويّ وليس باتجاه كورة بعيدة!

ليست خطيئتنا أنّنا لا نحبّ الله، ولم يكن الابن الضال يوماً لا يحبّ أباه، حتّى في اللحظة التي رحل فيها. كانت خطيئته كما هي خطيئتنا، أنّه في لحظة ما أحبّ ما في الكورة البعيدة أكثر ممّا في بيته الأبويّ. لا نخطئ نحن عندما لا نحبّ الله! إنّنا نخطئ عندما نحبّ أيّ شيء في الدنيا أكثر من الله. أليس هذا هو السبب الذي دفع الابن الأصغر ويدفع أيّاً منّا ليترك الآب ويقسم المعيشة معه ويرحل؟ هذه هي الخطيئة الحقيقيّة التي نجرّب بها كلّ يوم، وتتطلّب منّا توبة كامل اليوم كلّ يوم! التوبة والخطيئة ليستا حدثاً معيناً، إنّما هما حالة توازن بين محبّة الآب ومحبّة الأشياء. من يحبّ الله أقلّ من الأشياء هو الضال، ومن يحبّ الله فوق كلّ شيء هو التائب. إنّه التوازن الدائم الذي نسمّي رجوح كفّة الله فيه “توبةً”. وهذه التوبة هي التي دفعت بالابن إلى العودة.

يتفهّم الكتاب إذاً مرورنا بلحظات الضعف وترجيحنا حيناً حبّاً ما على حبّ الآب، لكن يدعونا إلى التوبة والعودة. ليس دينونةً أن نخطئ أحياناً، ولكن الدينونة أن نبقى في الخطيئة. ليس دينونة أن نرحل للحظات، ولكن دينونة أن نبقى في الكورة البعيدة. مفهوم البرّ في الكتاب لا يقوم على قداسة فطرية عفوية لم تختبر خطيئة ولم تمرّ بلحظة ضعف. يقوم مفهوم البرّ على تفضيل العجل المثمن على كلّ خرنوب الدنيا. ينمو الإنسان في الحبّ الإلهيّ، ويبدأ بحبّ الخبز السماويّ أكثر من ملذّات الدنيا كلّها. لدرجة زهد فيها بعض البشر حتّى عن الخبز اليومي الضروريّ حيناً، ولصق لحم داؤود بعظمه وسها عن أكل خبزه عندما هام في طلب البيت الأبويّ. لهذا هناك فرح خاصّ “بتائب واحد يعود” أكثر من الـ”تسعة والتسعين”!

 5- افخارستيا التوبة

يمركز الربّ يسوع هنا الخطيئة والتوبة حول الطعام. فهذا الابن يرحل ويأكل الخرنوب مع الملذّات، وهذا الابن يعود فيأكل العجل المسمّن مع الأفراح! إنّ اللقاء مع الأب الحنون، وخبرة المصالحة والغفران المجاني، تتمّ في الافخارستيا.

تُمتحن توبتنا كلّ يوم أمام دعوة الافخارستيا الرهيبة: “خذوا كلوا… وخذوا اشربوا كلكم..”. هذا هو نداء الأب الغفور المحبّ والحنون الذي يبحث كلّ حين عن خرافه. يمدّ العالم أمامنا كلَّ مغرياته وشباكه، ويمدّ الربّ يسوع أمامنا مائدته وجسده ودمه، والخطيئة والتوبة تتعلقان في تفضيل أحد العرضين على الآخر.

“اذبحوا العجل المسمّن وتعالوا لنأكل ونفرح”. الكأس المقدّسة المعروضة كلّ يوم، وصرخة المرنّم “ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ” غداً في أيّام الصوم الكبير، كلها قادرة فعلاً أن تجعلنا نقول “ليذهب العالم ولتأتِ النعمة”؛ كلها قادرة أن تجعلنا نقرر تفضيل الخبز الجوهري على الرغبات، وتجعل الصلاة والصوم طعامنا اليومي الأساسيّ- الجوهري. هذه الكأس الافخارستية قادرة، عندما نراها، أن تنهض فينا القرار لنقول: “أقوم وأعود وأقول لأبي: يا أبي قد أخطأت إلى السماء وأمامك فاقبلني الآن كأحد أجرائك”، فيذبح لنا ونأكل ونفرح. 

آميــن

المصدر: مدونة المطران بولس يازجي https://paulyazigi.wordpress.com