“حينئذ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي…،

وللذين عن يساره: اذهبوا عني يا ملاعين”

يعطي يسوع هنا صورةً عمّا سيحدث يوم الدينونة الأخيرة. كيف سيجلس هو على العرش “ويجمع إليه كلّ الأمم فيميز بعضهم عن بعض كما يميّز الراعي الخراف من الجداء”. ثلاثة حقائق أساسيّة تخرج من هذا النصّ، وتستحقّ منا التأمّل العميق. الأولى هي حقيقة يوم الدينونة، والثانية شمولية ذلك اليوم ومسكونيته، وأخيراً معيار الدينونة وهو المحبة.

 دينونة الله هي مبدأ إنسانـيّ عامّ بحسب الضمير أوّلاً. فإنّ عدالة الله ومحبّته توعد بتصحيح الأمور المعوجة في هذه الحياة. وهو سيعوض للمظلوم وسوف يدين كلاً بحسب أعماله. حقيقة الدينونة العامة أساسية في إيماننا. مجيء المسيح الأول (تجسّده) يختم العهد القديم، ومجيئه الثاني (عودته) سيختم زمن العهد الجديد، الذي يحضّرنا ويضعنا في السهر والانتظار ليوم الربّ الرهيب.

سِفر المزامير يستدعي الله بشوقٍ ليتمّ العدل على الأرض. وكتاب سِفر الرؤيا هو الكتاب النبوي في العهد الجديد يتكلّم عن يوم الدينونة والغلبة الإلهيّة الأخيرة ومصير الناس. ونعلن في دستور الإيمان أننا نترجّى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي.

الدينونة في المفهوم المسيحيّ ليست عقاباً ينـزله الله بمَن أساءوا إليه، بل إنّها اللحظة التي يُقيم فيها الله العدالة. وتترافق هذه الدينونة بلوحات مرعبة وصور مهوّلة، وذلك رغبةً بالتشديد على السهر من جهة وعلى تصوير مقدار العذاب الذي سيلحق بالمهملين.

نقع اليوم في الخطأ إذ نشعر بأنّ الربّ “أبطأ”. تمرّ الأجيال، وانقضت الألفية الأولى وبعدها الثانية. وها نحن ندخل الألفيّة الثالثة! لذلك يتولد الشعور بأنّ السيّد يبطئ، إن لم يتولّد الشعور أن يوم الدينونة هو مجرّد تعليم تربويّ وليس حقيقة تاريخيّة ستحصل!

درءاً لهذا الخطر أوصى يسوع “ألاّ ننعس قائلين قد أبطأ”! إنّ انقضاء زمنٍ طويلٍ قبل المجيء الثاني لا يجعلنا نرتاح على أنّه سيبطئ؛ بل نريد السهر، لأنّ زماناً طويلاً انقضى وبالتالي ما تبقّى هو أقصر. فإبطاء الربّ يضعنا في اليقظة أكثر. “أبطأ” تعني لنا إذاً “الانتظار” بلهفةٍ ويقظةٍ أكثر وليس “التأجيل”!

“اسهروا” هي الكلمة التي يجب أن تأتي إلى مسامعنا كلّما عبر زمان. وهذا ما تريده الكنيسة في هذا الأحد، إذ تذكرنا بيوم الدينونة الرهيب!

 شامل هو حكم الربّ يوم يدين “الأمم”. لأنّه سيجمع كلّ الأمم وليس أتباع دينٍ دون آخر أو أبناء أمةٍ دون سواها… لكن هل عند الله محاباةٌ للوجوه؟ وكيف سيدين من هم خارج ديننا؟ ما هو المعيار المشترك الذي سيأخذه الربّ ليقيم العدل للجميع؟ المحبة هي المشترك في حياة كلّ البشر. يختلف الناس بالدين، ويختلفون بالأعراق والجغرافيا والظروف والحضارات واللغات… كلّ شيء بين الناس مختلف، الأمر الوحيد المشترك بين كلّ الناس هو إنسانيّتهم أي محبّتهم وعمل الخير. لذلك يوضح يسوع أنّ الدينونة ستقوم على أساس “الأعمال” وليس على اعتبار آخر ولا الدين حتّى! هكذا عندما يفرز الخراف عن الجداء ويفصلهم عن يمينه وعن يساره لا يسأل عن أي معيار غير الأعمال الحقيقيّة، المحبّة العمليّة. على هذا الأساس يمكن ليوم الدينونة أن يكون شمولياً.

 عندما تكون المحبّة هي معيار الدينونة؛ وعندما يوحّد الديان ذاته بذوي الحاجات؛ فكل ما فعلتموه بهؤلاء “الصغار” (الضعاف) تكونون قد فعلتموه “بي”! وعندما يؤكد يوحنا الحبيب أنّه لا يمكننا أن نحبّ الله الذي لا نراه إذا كنا لا نحبّ القريب الذي نراه؛ كل ذلك يعني أنّ الدين كعلاقة حبٍّ وعبادةٍ لله لا تقوم مباشرة بين المخلوق والخالق! إنّما يثبت الإنسان محبّته لخالقه حين يعتني بخليقته! إنّ محبتنا العمليّة للقريب هي التي تبني المحبّة مع الله. والعكس، إنّ إهمالنا للقريب هو الذي يحدّد دينونتنا. خطرةٌ هي “التقوى” الخارجيّة، التي تُكثر من “العبادات” نحو الخالق وتهمل خدمة الناس. هذا هو التدين الهابط!

تحديد المحبّة معياراً للدينونة يعني مسؤوليّةً مشتركة بين البشر، أنّ الله سيدين على أساس تحقيق حياة الشركة وليس حياة الفرد. لا تقبل العدالة الإلهيّة جواباً كـ “أفأنا مسؤول عن أخي؟”. نعم أنا مسؤول عن أخي، إن كنت أؤمن بوجود الله ويوم الدينونة العادل.

تأخذ محبّة القريب طابعاً دينياً وليس اجتماعياً. إن مسؤوليتنا نحو القريب ليست في حيّز “الإحسان” إنّما في صلب “الإيمان” وهي معياره. ليس الدين مسألة فرديّة بين فرد وإلهه. الإيمان المسيحيّ مسألة شركويّة. السؤال يوم الدينونة ليس عمّا فعلنا مع الله، فهذا لا معيار له إلاّ بعض المظاهر! السؤال سيكون ماذا طبّقنا من الدين مع الآخر. هذه هي الوصيّة الجديدة التي شدّد يسوع أن نحياها ليعرف الناس أنّنا تلاميذه. الدين هو وصايا نحو الآخر، وما نريده مع الله نبرهنه من خلال القريب.

الشركة مع الآخر ليست درجة مثاليّة في الدين بل هي جوهره؛ وغيابها لا يعني نقصان فضيلة مما فيه بل يعني غيابه بالكلية!

نعم،حقيقة سُندان يوماً، فلنسهر! والدينونة شاملةٌ للجميع، فلا دِين ولا عرق ولا أي انتماء إنّما الأعمال فقط! سنُسأل آنذاك حصراً عن المحبة، وإن عملنا لمحو وجه الأمم عن وجه الأرض!

أحد الدينونة يهيئنا إلى صيامٍ يريد أن يعدّنا إلى الدينونة بالسهر، لأنّ الزمان قصير، ويعلّمنا أنّ الله سيفرز بين البشر جداء وخراف جميعاً حسب الأعمال وليس الانتماء، وأنّ الدين هو فعل محبة للآخر. آمين

 

من كتاب سفر الكلمة- الجزء الأول

للمطران بولس يازجي

 

المصدر: مدونة المطران بولس يازجي https://paulyazigi.wordpress.com