“قد تناهى الليل واقترب النهار،

فلندعْ عنّا أعمال الظلمة ولنلبسْ أسلحة النور”

بواسطة هذه الوصيّة الإلهيّة تضعنا الكنيسة في اليقظة على عتبة الولوج إلى الصوم الأربعينيّ المقدّس! إنّها الفترة الأهمّ من السّنة  للجهاد الروحيّ، وبالتالي الأدقّ. على مَن يجاهد أن يجاهد الجهاد الحسن. فنجاح الإنسان يشترط إلى جانب مقدار الأتعاب الحكمة واليقظة. ولقد رتّب الطقس الكنسيّ اليوم أن يتبادل الجميعُ القبلةَ الأخويّة معلنين المصالحة والغفران المتبادل قبل الدخول في الصيام.

 المسامحة هي الفضيلة “التي لا تسمو عليها أيّة فضيلة أخرى” يقول الذهبيّ الفمّ[1]. فما نحقّقه بواسطة هذه الفضيلة قد لا يمكننا تحقيقه بواسطة الكثير من الفضائل الأخرى، كالصيام أو الصلاة أو الإحسان… لأنّه بمجرّد أن تقبل في داخلك الصفح لأخيك عن زلاّته نحوك تكون قد حقّقت فعلاً غاية كلّ الفضائل، وهي المحبّة. إذن فضيلة المسامحة، كممارسة، هي أقوى وأسمى الفضائل، وأسرعها بقيادتنا حتّى غاية الفضائل، المحبّة!

يرتبط الإنسان بعلاقاته المتشعّبة بالعديد من الناس المختلفين. ولا تثبت المحبّة فقط بشرط حسن تصرّف الآخرين دوماً، لأنّ احتمال الخطأ بين الناس ليس قليلاً أبداً! لذلك إنّ رباط المحبّة بالأساس يستمرّ بسبب الغفران وليس دوماً من صحّة العلاقات. فالإنسان الصدُوق هو ليس المحظوظ بأفضل الأصدقاء بقدر ما هو الإنسان الغفور، الذي يعرف أن قيمة الأخ لديه دوماً أكبر من قيمة الخطيئة نحوه. لا يمكننا أن نبيع محبّتنا للأخ بثمن بخيس هو قيمة خطيئته تجاهنا. وفترة الصوم هي الزمن الذي نحافظ فيه على المحبّة زاهدين باللذّة، نحافظ فيه على الآخر ناكرين الذّات. في الصوم يصير الآخر أَثْمَن من راحتنا أو كراماتنا أو نزواتنا؛ ولذلك نطرح هذه الأخيرة، وهي الظلمة، لنرى الأخ في النور. الصوم هو سلاح النور، لأنّه يجعلنا نرى القريب قبل الخطيئة، فتذهب تلك إلى الظلال ويبقى هو أمامنا في الحقيقة. السلام هو ثمرة المسامحة دوماً. إنّ “صانعي السلام” الذين يغبّطهم يسوع هم أيضاً المسامِحون، الذين يغفرون للأخ حتّى يربحوا محبّتهم له. إنجيلنا إنجيل السلام و”إنجيل المصالحة”.

لهذا شدّد يسوع: “إنْ تذكّرت أنّ لأخيك شيئاً عليك، فاتركْ هناك قربانك قدّام المذبح واذهبْ أوّلاً واصطلحْ مع أخيك…” (متى 5، 24). وتبقى صرخته على الصليب: “يا أبتِ اغفرْ لهم” فخراً وشعاراً للمسيحيّين. لهذا قلّد يسوعَ أوّلُ شهيدٍ، استفانوس حين غفر لراجميه. ولم يتردّد بولس الرسول أن يكتب إلى تلميذه فيليمون طالباً منه الصفح عن العبد أنيسيموس ويسمّيه بولس “ابني”. فالخطيئة مهما عظمت لا تساوي ثمن الأخ عندما يكون محبوباً. لذلك علّمنا يسوع في الصلاة الربانيّة أن نغفر لمن أساء إلينا قبل أن نطلب الغفران من الله الذي نسيء إليه.

 إنّ الدافع الأوّل للغفران والصفح هو تذكّرنا أنّنا مَدينون ونحيا على الرحمة، فكما أن أبانا السماويّ يصفح لنا نصفحُ نحن لمن أساء إلينا. عندما سأل بطرسُ يسوعَ كم مرّة أغفر لأخي إذا أساء إليّ أَسبعَ مرّات؟ أجاب يسوع سبعين مرّة سبع مرّات، أي دائماً دون حدود، لأنّ الغاية هي ألاّ ندفع الأخَ ثمناً للخطيئة. ولقد أوضح يسوع فوراً بمثل العبد الغريم: أنّنا نحن البشر مدينون للسيّد الربّ، كذلك العبد، بعشرة وزنات بينما يُدين الواحدُ منّا لأخيه عشرة دنانير. مَن لا يغفر يصحّ عليه اسم “العبد الشرير”. “فقط مَن يلتفت إلى الله لا يعير إهانات وزلاّت الآخرين قيمةَ”، يقول الأدب الرهبانـيّ. لن يسامح إلاّ مَن صارتْ له الإهانة كالإكرام، ولا مصلحة له في كلَيهما، إذ له الموت من أجل المسيح والحياة من أجله فقط ربحٌ.

 نحتار حينا بين المسامحة والعدالة! إذ يرى البعض أنّ وصيّة “مَن لطمك على خدك الأيمن حوِّلْ له الأيسر” هي وصيّة ملائكيّة، وقد تسمح باستمرار الشرّ والظلم! بينما شريعة العين بالعين والسنّ بالسنّ هي الأجدى لإحقاق الحقّ!

إنّ الإنسان المؤمن لا يزدري الحقّ والعدالة الجماعيّة، لكنّه يعرف أن ليس له أن ينتقم، ولا يبني علاقته مع القريب على الحقوق. فإنّ السيّد علّمنا أن نُخرج من الظلم خيراً، وقصّةُ يوسف الذي ظلمه إخوته وقابلهم بالغفران، علّمتنا أنّ الله هو من يقيم الحقّ في النهاية. أمّا نحن حبّاً بالآخرين فنحتمل الظلمَ ونقابله بالغفران. ويوصي القدّيس اسحق السريانـيّ تفضيل أن نُظلم على أن نَظلِمَ. قد يقول البعض إنّ الانتقام للحقّ، كاستعادة للبرّ وليس للعقاب أو الردّ على الشرّ بالشرّ، هو أمرٌ ضروريّ! هذا حقيقة من حيث المبدأ، لكنّه مقبول مسيحيّاً فقط حين يكون مفعماً بالمحبّة وخالياً من أيّ اختلاط أو خداع في أصالة هذا الشعور بإحقاق الحقّ وليس بالشرّ. لقد صمتَ يسوع أمام بيلاطس، كما أنّه ضرب بالسوط وقلبَ موائدَ الصيارفة! وفي الحالتَين كانت المحبّةُ تصمت والمحبّةُ تجلد. حين نكون في خطر الخداع نحو صفاء المحبّة في التأديب علينا أن نختار الغفران المطلق، “لي الانتقام يقول الربّ” (تثنية 32، 35)، ولنا، نحن البشر، الصفح لمن أساء إلينا!

 تُمنى المحبّة بالإخفاق في هذه الدنيا، وباسم إحقاق الحقّ نبرّر الانتقام، مرّات عديدة. السلاح الأضمن، سلاح النور، هو الصيام. في الصيام نعفّ عن إحقاق العدالة تائبين إلى الصفح والغفران. ما حقّ  بين يسوع وبين تلك المرأة التي دهنت قدمَيه في بيت سمعان، يحقّ بين كلّ واحدٍ منّا وقريبه! “هذه قد أحبّتْ كثيراً لهذا غُفر لها كثيراً”، ومَن نغفر له الكثير نربح حبّه الكبير. القريب أثمن من الخطأ الذي يُلحقه بنا. الخطيئة عابرة والقريب رسالة. وحتّى متى نغفر ونغفر أَسبعَ مرّات؟ سبعين مرّة سبع مرّات، أجاب يسوع. “ينبغي بنا نحن أيضاً أن نرحم العبيد رفقاءنا كما يرحمنا أبونا السماويّ” (متى 18، 33)، آمين.

 

من كتاب برج وجسد- الجزء الثاني

للمطران بولس يازجي

 

المصدر: مدونة المطران بولس يازجي https://paulyazigi.wordpress.com