العذراء في الكنيسة الأرثوذكسية*

الأرشمندريت اغناطيوس هزيم

1- العذراء في الكتاب المقدس:

في العهد القديم صور عديدة رأى فيها الشراح تلميحاً مباشراً عن العذراء:

1- حواء: سمعت كلام الحية، العداوة بين نسليهما، المخلص من نسل المرأة.

2- العليقة الملتهبة دون أن تحترق: منها انبثق اللاهوت ومنها سمع موسى صوت الله.

3- «قامت الملكة عن يمينك موشحة بثوب مذهب». المزامير.

4- يؤتيكم السيد نفسه آية: «ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل» (أشع7: 14)

5- رأتها البنات فغبطنها، رأتها الملكات والسراري فأثنين عليها. «مَن هذه المشرقة كالصبح؟ الجميلة كالقمر، المختارة كالشمس، المرهوبة كصفوف تحت الرايات؟» (نشيد6: 8-9).

في العهد الجديد: العذراء

1- يقول لها الملاك: افرحي، يا ممتلئة نعمة الرب معك. يا مريم لا تخافي فقد نلت نعمة عند الله، وها أنت تحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع، وهذا سيكون عظيماً وابن العلي يُدعى (لو1: 30-13) أم يسوع.

2- ويقول لها: الروح القدس يَحلُّ عليك وقوة العلي تظللك ولذلك فالقدوس المولود منك يدعى ابن الله. (لو1: 35) «أم ابن الله».

3- هي التي قالت للملاك: «ها أنا أمة الرب فليكن لي حسب قولك».

4- إنها «المباركة في النساء» وهي «أم الرب» (لو1: 43) التي لها الطوبى.

5- كانت «تحفظ هذا الكلام وتتفكر به في قلبها» (لو2: 19-51).

6- هي الشخص الذي يغبطه القول «طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما».

7- وهي التي شهد لها ابنها أنها: «تحفظ كلمة الله وتعمل بموجبها».

8- هي التي حنا عليها ابن الله ووكل عنايتها ليوحنا لما كانت المسامير تفعل في جسده فعلها المرير.

9- وتغيب العذراء حتى تظهر في العنصرة في بدء الكنيسة.

10- وهاهي في الرؤيا تظهر «آية عظيمة امرأة ملتحفة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، وهي حبلى تصيح وتتمخض وتتوجع لتلد» (رؤيا12: 1و2) (صعوبة التأويل. إرجاعه لأشعيا 54).

                ولكن العهد الجديد يعطي عن العذراء وجهاً آخر:

1- اضطربت عند سماع الملاك المبشر ولعلها خافت.

2- دهشت عندما سمعت بالحَبَل وأكدت أنها عذراء.

3- اطمأنت للبشارة فقط عندما شرح لها الملاك «كيف» ستحبل فكأنها كانت تهتم لما تهتم له كل صبية عذراء عندما تسمع بحديث من هذا النوع.

4- في أورشليم قالت لابنها: «يا ابني لم صنعت بنا هكذا؟ ها إننا أنا وأباك كنا نطلبك متوجعين». ولما قال لهما: «لماذا تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي لي أن أكون فيما هو لأبي؟». يقول الكتاب المقدس: «فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما». أليس في عدم الفهم هذا مدعاةٌ للدهش والاستغراب؟

5- عندما تقدم يسوع إلى الهيكل تنبأ سمعان لأمه وقال: «وأنتِ سيجوز سيف قي نفسكِ حتى تكشفَ أفكار في قلوب كثيرة» (لو2: 34) وقد فسر بعض الشراح أن هذا السيف سيف عدم الإيمان أو برودته على الأقل.

6- لا يذكر الإنجيليون الثلاثة أن العذراء كانت على قدم الصليب ويوحنا وحده يفعل ذلك.

7- ما كانت العذراء بين النساء اللواتي بكرن ليطيبن جسد يسوع. ولم يظهر لها يسوع بشكل خاص كما فعل للمجدلية ومريم أم يعقوب، وكما ظهر للتلميذين الذاهبين إلى عمواس، ومن ثم للتلاميذ وهم متكئون. (مر16: 14 ولو24: 36 ويو20: 19).

                إجمالاً ومما سبق رؤيته في الكتاب المقدس يجوز لنا أن نميز في العذراء كما يصفها الإنجيل شخصها الإنساني الطبيعي فهي تضطرب وتنسى ولا تفهم بعض الأمور، وشخصها المتقدس الذي تليق به الطوبى وتطلق عليه عبارات: «أم يسوع» «أم الرب» «أم ابن الله»، والتي تنتهي بالمجد الأبدي مع ابنها في السموات.

بتعبير أدق: كل ما يخص شخص العذراء فهي إنسان بالطبع ككل إنسان، وكل ما يخصها كإناء يحوي ابن الله متأله ومتقدس فوق كل تأله وتقدس.

2- العذراء في الفن الأرثوذكسي:

أ. مكان أيقونة العذراء في الكنيسة: في كل الكنائس الأرثوذكسية عن يسار الباب الملوكي، مرتبتها الثانية بعد المخلص وقبل جميع القديسين.

ب. ليس في الأرثوذكسية أيقونة للعذراء ليس عليها ابنها المخلص.

ج. ثلاث نجوم تزين كتفي كل أيقونة وجبهتها.

د. لها أيقونات تدل على انتقالها وتمتاز بأن فيها صورة يهودي مقطوع اليدين وبأنها: إما تصور جسد العذراء متجلياً ومتنقلاً إلى السماء، وإما تصور روحها في يدي ابنها في شكل جثة بيضاء. وأخيراً تمتاز بعض أيقونات الانتقال بتصوير الجثة في نعش وشخص العذراء يتكلل بالمجد في عالم لا هيولي.

هـ. وهنالك بعض أيقونات تمثل دخول العذراء الهيكل وحتى قدس الأقداس.

                هذه هي بعض الأيقونات وكلها تعبير خاص عن أمر يقين يؤمن به أولاد الكنيسة المقدسة.

                من الأيقونات وحدها يمكننا استنتاج بعض العقائد الأرثوذكسية ومنها:

أ ـ يقترن اسم العذراء بالكنيسة حيث وجدت ولا كنيسة بدون العذراء.

ب ـ إن العذراء في الكنيسة لتعلو كل قديس وكل ملاك وكل روح متقدس، كل هذا من جهة، ومن جهة أخرى العذراء أم، وفي أمومتها تربض قيمتها، وهذه القيمة مقدورة بالنسبة إلى الطفل يسوع. في العالم قيمة الطفل يستمدها من أمه، في الكنيسة قيمة العذراء الأم تستمدها من ولدها.

ج ـ دوام بتوليتها ترمز إليه النجوم الثلاثة في لغة الرسامين: فهي بتول قبل الولادة وأثناء الولادة وبعد الولادة.

د ـ أما في أيقونات الانتقال فيتضح أن الرسامين أخذوا ببعض الآراء اللاهوتية التالية:

1- إن الإنجيل الابوكريفي الذي استقيت منه قصة اليهودي ليس باطلاً بكامله.

2- إن العذراء لم تمت وإنما انتقلت انتقالاً.

3- إلى أين انتقلت؟ الجواب: إلى الفردوس، إلى حضن ابنها قبل مجده، إلى مجد ابن الله الوحيد.

4- فإذا سألتم هل انتقلت بجسدها كما هو؟ كان الجواب حيناً «نعم» وحيناً «لا»، إذ ـ كما قلنا ـ يصور بعض الرسامين بين يدي المسيح المتمجد روح العذراء فقط. مع العلم أن هذه الأيقونات لم يمنعها شيء من أن تعرض في الكنائس الأرثوذكسية.

3- العذراء في النصوص الطقسية: لها جزء خاص في الذبيحة الإلهية:

1- بعد كل قطعة موجهة للسيد لها قطعة خاصة بها (كانين) وهذا يصح في كل الخِدم.

2- القوانين والقطع في الصلوات الصباحية والمسائية لا تنفك تذكر النبوءات عنها وتحقيقها فيها.

3- بعض ما يقال فيها: «إنها مجد العالم بأسره، الباب السماوي، هذه التي تجلت سماء وهيكلاً للاهوت. هي مرساة الإيمان»، «هي باب الإله والسحابة والسلم المصعدة إلى السماوات والعرش السماوي وجبل سيناء..الخ».

                البتولية ـ «تمت تبوءة أشعياء لأنك ولدت وأنت بتول ولبثت بعد الولادة كما كنت قبلها، لأن المولود منك إله هو». «كما أن العليقة كانت ملتهبة ولا تحترق، كذلك أنت ولدت ولبثت عذراء». «لأنك وأنت مختومة الطهارة ومصونة البتولية عُرفت أُماً بدون ريب». «لقد وسعت غير المحصور وغير المدرك سرياً في أحشائك». Mystiquement

الوساطة والإعلان ـ «إياك نسبح يا والدة العذراء، أيتها المتوسطة بخلاص جنسنا». «بواسطة ولادتك ابنك عرفنا سر الثالوث الواحد غير المختلط. السر الخفي منذ الدهور وغير المعلوم لدى الملائكة بك ظهر يا والدة الإله للذين على الأرض». (لاحظ: المسيح أعلن الآب. العذراء أيضاً تعلن الثالوث).

صورة البحر الأحمر عن البتولية ـ «إن صورة البكر العروس التي لم تعرف زواجاً قد بدت وقتاً ما في البحر الأحمر. هناك موسى قسم المياه وهنا جبرائيل خدم العجيبة. هناك عبر إسرائيل ولم تبتل قدماه وهنا المسيح يولد من غير زرع. البحر لم يدنس بعد اجتياز إسرائيل والعذراء لم تفسد بعد ولادتها عمانوئيل».

                عملها الخلاصي ـ العذراء «وحدها جسر نحو الله ناقل المائتين إلى الحياة الأبدية». «إنها هي التي أصعدتنا من اللعنة الأولى». «يا والدة الإله أنت رجاؤنا فأنقذينا من آثامنا التي لا تُحصى وخلّصي نفوسنا». «تمنحين الكل تطهير الخطايا».

                أما ما يُقال في ميلادها:

4ـ «إن الذي ثبت السماوات بحكمة قد أنشأ بمحبته للبشر سماء حية». «إنها فاقت كل مولود بهاء» «هي وحدها الباب لابن الله الوحيد الذي اجتازه وحفظه مغلقاً». «إن بها تقترن الأرضيات بالسماويات» (لاحظ قرب الفكرة من طبيعتي المسيح).

                إنها «التي سبق تحديدها أماً لإلهنا قبل تصويرها في الحشى».

العذراء في تدبير الخالق ـ «إنها السابق انتخابها من بين الأجيال جميعها لسكن المسيح الإله ملك الكل وبارئهم».

                هي سلم يعقوب: «وارتاع يعقوب وقال: إن هذا المكان المخوف ان هو إلا بيت الله وهذا باب السماء».

                وتطبق الكنيسة على العذراء نبوءة حزقيال القائلة: «وردني الرب إلى طريق باب القديسين وكان مغلقاً. وقال لي الرب هذا الباب يكون مغلقاً ولا يفتح ولا أحد يعبر فيه لأن الرب إله إسرائيل يدخل فيه ويكون مغلقاً... وأولجني في طريق الباب ورأيت وإذا بيت الرب ملآن من مجده».

مستقر حكمة الله ـ وقد رأت الكنيسة أيضاً تطبيق النص التالي على العذراء: «الحكمة ابتنت لها بيتاً ودعمته بسبعة أعمدة وذبحت ذبائحها، ومزجت في كأس خمرها وأعدت مائدتها وأرسلت عبيدها ينادون بعالي الصوت: من كان جاهلاً فليجنح إلي...» ألا نرى هنا صورة الكنيسة نفسها تنطبق على العذراء؟ وخصوصاً في «يا من بها جميع تراب البشر قد أعيدت جبلته جسداً لله».

                وهذا شيء مما يقال في رقادها:

                ماتت ـ «إن ينبوع الحياة قد وضعت في قبر، واللحد صار سلماً مصعدة إلى السماء».

                انتقلت إلى المجد ـ «لقد انتقلت اليوم من الأرض إلى السماء، فمجدك حسن البهاء يسطع بأشعة المواهب الإلهية».

                الجنود السماوية كانت تتقدم الجسم: «هوذا ملكة الكل، الفتاة الإلهية قد أقبلت. هي التي لا يمكن النظر إليها».

                لم تمت ـ «كرامتها تفوق العقول وهي حية على الدوام مع ابنها اللابس الحياة».

                تمجدت رأساً ـ «انتقلت بتمجيد وبحال تفوق الوصف على يدي ابنها وسيدها».

                ماتت بالجسد فقط ـ بينما كان الرسل يهتمون بجسدها كانت الملائكة يقول بعضها للبعض الآخر: «ارفعوا أبوابكم وتقبلوا والدة صانع السماء والأرض».

                «لأنك انتقلت إلى الحياة بما أنك أم الحياة».

                ما ماتت حتى ولا بالجسد ـ كثير من القطع في الطقوس يتحدث عن انتقال العذراء دون ذكر رقادها. «في رقادك موت بدون فساد. لأنه كيف تجهز أم الإله بالأطياب كمائتة؟».

                وهنالك ترنيمة تقول: «عندما كان يهيأ انتقال جسدك الطاهر، أحدق الرسل بالسرير ناظرين إليك برعدة».

                ماتت ـ فبعضهم تأمل بالجسد فاعتراه الذهول وأما بطرس فهتف نحوك بالعبرات قائلاً: «أيتها البتول إني أراك جلياً ملقاة طريحة يا حياة الكل فاندهش».

                دفنت ـ «إن مصف الرسل قد دفن جسمك القابل الإله ناظرين إليه باحتشام».

                انتقلت بالروح ـ «إن القوات الملائكية ذهلت لما شاهدت سيدها ضابطاً بيديه نفساً نسائية وهو يخاطبها قائلاً:

                ماتت بالجسد ـ «هلمي أيتها العفيفة لتتمجدي مع ابنك وإلهك». وهنالك حث على تقبيل ضريح العذراء. على كل حال العذراء تقول: «أيها الرسل اضجعوا جسدي وأنت يا ابني وإلهي اقبل روحي».

                لم تمت ـ غير أن هنالك تأكيداً لا يجوز أن نمر به عبوراً سريعاً وهو الآتي: «إن والدة الإله لم يضبطها قبر ولا موت لكن بما أنها أم الحياة نقلها إلى الحياة الذي حل في مستودعها الدائم البتولية».

                من كل ما سبق ذكره نقدر أن نستنتج:

1- إنها تتصف بما لا يتصف به غيرها من البشر فإذا قيل عنها: «التي هي أكثر إكراماً من الشيروبيم، وأرفع مجداً بلا قياس من السيرافيم» فذلك لا مغالاة فيه.

2- إنها أداة للإعلان الإلهي ولذلك فهي مخلصة وهي منقذة من الآثام.

3- هي الباب الوحيد الذي يصل السماويات بالأرضيات ولا بأس هنا أن نغالي ونقول: إذن لا خلاص إلا من خلال العذراء وليس بواسطتها مباشرة.

4- إنها السماء الحي وهيكل اللاهوت التي لم تعرف الفساد (بالمعنى الفلسفي) ولذا فهي غير مائتة وهي جزء أساسي وعنصر أولي في عملية الخلاص رآه الله وهيأ له منذ الأزل.

5- بما أنها لا تقبل تغيراً في جسدها فهي بتول أثناء الولادة كما كانت قبلها، وبقيت بتولاً حتى بعد الولادة.

6- وأخيراً إنها بيت حكمة الله التي أولمت وليمة ودعت إليها الجهال.

7ـ وبكلمات موجزة العذراء صورة مصغرة للكنيسة، كنيسة الله في السماء وعلى الأرض.

8- أما رقادها فيثير القارئ الأرثوذكسي للترانيم الطقسية إلى الوقوف أمام التشعبات التي رأيناها:

أ. ماتت العذراء أم لم تمت؟

ب. دفنت أم لم تدفن؟

ج. انتقلت بكاملها أم انتقلت روحها فقط؟

د. انتقلت إلى السماء، أم إلى الفردوس، أم مباشرة إلى مجد ابنها؟

                والغريب أن لكل من هذه الأسئلة جوابين: نعم ولا. وهكذا فإننا نجد أن الطرفين الإيجابي والسلبي اللذين وجدناهما في الكتاب المقدس وفي التعبير الفني عن حياة العذراء ووصفها اللاهوتي، أقول نجد هذين الطرفين في النصوص الطقسية. هذا إلى جانب أمرين مهمين:

1- ليس من نص طقسي واحد يبحث قضية العذراء بالاستقلال عن ابنها.

2- إن الكنيسة تصلي لا للعذراء فقط ولكن من أجلها إذ نقول: «أيضاً نقرب لك هذه العبادة الناطقة من أجل المتنحين بإيمان الأجداد.. وكل روح صديق توفي بإيمان وخاصة من أجل الكلية القداسة الفائقة البركات المجيدة سيدتنا والدة الإله الدائمة البتولية مريم».

                وهذه النتيجة كما ترون لا تختلف عما وصلنا إليه في النقطتين الأوليين اللتين بحثناهما:

                نصلي للعذراء ولكننا نصلي أيضاً من أجل العذراء.

4ـ العذراء في اللاهوت الأرثوذكسي:

1- النصوص الكتابية لا تفهم بالضبط إلا في الكنيسة.

2- النصوص الطقسية لا تفهم إلا كعبارة عن وضع طيب أساسه الإيمان والحياة في الكنيسة ولكنه لا يصلح أن يكون أساساً للاهوت وخصوصاً إذا كان وحده. الشعر شيء والقانون شيء آخر.

3- أما التعبير الفني فهو تماماً التعبير عن النصوص الطقسية وفيه من العاطفية ما فيها. وهو بدوره لا يصلح وحده أساساً للاهوت المريمي في الكنيسة.

4- التعبير الصحيح الذي يعرف أين يكون دقيقاً وأين يكون غامضاً هو التعبير اللاهوتي وهذه آخر نقطة نبحثها.

                كيف عبر اللاهوت الأرثوذكسي عن موقفه تجاه والدة الإله.

1ـ عن ولادتها من والديها: ولدت ولادة طبيعية وكانت تحمل معها الخطيئة الجدية مثل سائر الناس. وفي الكتاب المقدس ليس من شيء واضح في هذا الأمر كما أن كل مشكلة الخطيئة الجدية كما يفهمها اللاهوتيون غير واضحة تماماً فيه. أما عقيدة الحبل بلا دنس فلا نأخذ بها لأنها:

أ ـ لا تستند إلى أساس كتابي واضح.

ب ـ تخالف الرأي الذي يقول: كل خلاص صار على الصليب وليس من خلاص قبل الصليب. العذراء تخلص ولكن بالصليب وليس قبله.

ج ـ حتى هذا الرأي ضعيف جداً لأنه يحصر الخلاص بحدث الصليب بينما اللاهوت الأرثوذكسي يشدد على أن التجسد هو عملية الخلاص والصليب حدث من أحداث التجسد ولم يكن فيه المسيح أكثر ألوهة منه في غيره. وربما كان الصحيح أن نقول مع ناظم خدمة المديح: «مع الصوت تجسد سيد الكل» ومع تجسده في العذراء حصل خلاصها. نعم إنها أول مَن تخلّص لأنها في وضع خاص. وهذا تخالفه عقيدة الحبل بلا دنس.

د ـ وجه الشبه بين حواء الأولى وحواء الثانية أن كلتيهما «أم كل حي» غير أن الفرق بينهما هو: أن الأولى سارت بملء حريتها من الصلاح إلى الخطيئة الجدية أما الثانية فقد سارت من الخطيئة الجدية نحو الصلاح. الأولى قبلت الخطيئة وأشركت معها الجنس البشري والثانية قبلت الخلاص وأشركت معها الجنس البشري.

                عقيدة الحبل بلا دنس تهدم هذه العلاقة وترى نفسها مجبرة على التأويل الطويل والمنطق الذي لا يرتكز على الكتاب المقدس.

هـ ـ وأخيراً يصعب علينا، لا بل يستحيل أن نأخذ بعقيدة الحبل بلا دنس لأنها تضعف سر التجسد أضعافاً يفقده جل معناه. وفي الحقيقة ما معنى التجسد إذا لم يكن التجسّد في الطبيعة الإنسانية كما أراد الله خلاصها. ما معنى التجسد إذا حصل في برج عاجي يختلف عن أية طبيعة من طبائع أولئك الذين يريد الله خلاصهم؟ عقيدة الحبل بلا دنس تقتطع العذراء من الطبيعة الإنسانية وتبعدها واقعياً عنها فيكون قد انهدم القرب الذي أتى المسيح من أجله، القرب بين الله والناس.

و ـ أخيراً إن تفسير كلمتين من الكلمات اليونانية وعصر الكلمتين عصراً ظاهراً لا يكفي لقيام عقيدة ولا لإرجاعها إلى الكتاب المقدس. هنا اعتذر الا أوافق الأب جورج فاخوري البولسي على رأيه.

ز ـ أعتقد أن اختلافنا واخوتنا الكاثوليك يعود في النهاية إلى اختلافنا وإياهم على النعمة والطبيعة من ناحية والاستحقاقات من ناحية أخرى.

                غير أن من واجبي الاعتراف بأن المسألة ليست بسيطة إلى هذا الحد.

2ـ عن قيمتها بحد ذاتها: إن قيمة العذراء في الكنيسة الأرثوذكسية لا تحد. وعندما عرّفها مجمع أفسس المسكوني بوالدة الإله لم يقصد إضعاف قيمتها بل إعلاءها. صفتها الأولى والأخيرة انها «والدة الإله». هنا تنقلب الآية عما هي في الواقع العادي: الأم تنسب إلى ولدها من حيث القيمة لا الولد إلى أمه: أما يردد المرنم أنه ابنها وإلهها، ابنها وسيدها إلى ما هنالك من عبارات تعطيه الأولية عليها؟ وهنا يجدر بنا العودة إلى الفن الأيقونوغرافي الذي يمثل العذراء، لا وحدها، كما في الغرب، بل مع ابنها ذلك الذي هي له أم ولذا فهي ما هي.

                إذن، وباختصار، كل موقف من أم الإله يمزجها أماً بالناس الخطأة عملياً كما يفعل البروتستانت أو بابنها المخلص كما يكاد يفعل بعض اللاهوتيين الكاثوليك، وهو موقف إما أن يحط من كرامتها وإما أن يمحو عنها إنسانيتها.

                العذراء نعم الوسيط بين الرب يسوع والناس إذ فيها التقت ألوهة الابن بطبيعة أبناء آدم وتجسدت فيها.

                وإذا أوغلنا قليلاً في التفكير وصلنا إلى نقطة هامة وهي أن العذراء لا تختلف عن الكنيسة جوهراً. يقول بولغاكوف: «في رأي الأرثوذكسي لا كنيسة بدون العذراء». وهذا قول صحيح صميمياً إذ أن في العذراء اجتمعت أولاً العناصر التالية: الإنسان، الروح القدس فكان رأس مضمونها المخلص. والكنيسة اجتمعت بها ثانياً وفي الزمن العناصر نفسها. وإذا لم تكن الكنيسة تحوي المسيح كما حوته العذراء، وإن لم تحوِ المسيح وهي مشاركة العذراء احتواءها إياه، فهي ليست كنيسة.

                إن كل تفكير يبعد العذراء عن الكنيسة يقطع الصلة بين النعمة والطبيعة الإنسانية التي في العذراء قالت لها: «هاءنذا أمة للرب». وإن كل فصل أو مقابلة بين العذراء وابنها لهو فصل لا يرتكز على شيء كتابي أو لاهوتي: المسيح وأمه شخصان إذا أكرمت أحدهما أكرمت الثاني. ونحن نكرم أحدهما الأم حتى نكرم الابن لأننا نعرف هذه المرأة قبل كل شيء أماً لهذا الابن.

  1. ولنقل الكلمة الأخيرة في انتقال العذراء:

العيد 15 آب:  حديث بين 610 و649. يوحنا مطران تسالونيكية صاحب قصة اليهودي. القديس Modeste بطريرك أورشليم (مات عام 634)، هيبوليتس الطيبي (شخص مجهول كتب بين 650 و750) القديس جرمانوس بطريرك القسطنطينية (مات 733) الذي أعطانا المقاطع في السنكسار عن الرسالة من يسوع إلى أمه لما حان أوان انتقالها. القديس اندراوس الذي من أقريطش مات (740). القديس يوحنا الدمشقي (توفي 749) في مواعظه ذكر العيد والانتقال.

                أما الذين رنموا لهذا العيد وأعطونا العبارات الطقسية التي رأينا فهم: قزما مايوما وثيوفانس غرابتس أسقف نيقية (توفي 845)، ثيودورس أبو قره (مات 820)، ثيودورس الأسطوذيتي (مات826)، الراهب أبيفانيوس (أوائل القرن التاسع) الراهب ثيوغنسطس (مات 871)، جورج الذي من نيقوميدية (مات بعد 880) والإمبراطور ليون السادس العاقل (مات 912). كل هؤلاء ذكروا الشيء الكثير عن انتقال العذراء ولكنهم لم يحددوا موقفهم بشكل جازم.

وهكذا فإن الوضع الحالي للقضية هو ما يلي:

لا تزال فكرة انتقال العذراء فكرة في الكنيسة وليست عقيدة. وأجسر أن أقول إنها عقيدة من حيث المضمون وليست عقيدة من حيث الشكل. ليست في دستور الإيمان ولكنها موضوع إيمان في الكنيسة. على كل حال اعتمدت.

 * عام 1958

* المصدر : كتاب "آلام فقيامة" - اغناطيوس الرابع بطريرك أنطاكية وسائر المشرق-صفحة 57